اذهب إلى: تصفح, ابحث

الشعر الحميني


كان القرن السابع الهجري مرحلة جديدة في حياة الأمة العربية، وحياة اليمن بشكل خاص، حيث شهدت اليمن منذ اوائل القرن نشاطًا سياسيًا متزايدًا لإقامة دولة الرسوليين المستقلة عن مصر والشام بعد سقوط الحكم الأيوبي فيها. وهو العصر الذي شهد ظهور شعر العاميّة في اليمن، او "الحُميني".

يأتي الحميني ضمن أربع تسميات مختلفة للشعر العربي أو الشعر الشعبي كما هو متعارف عليه في الوقت الحالي، مايعرف بالشعر الملحون او الزجل او الشعر القومي، او كما في نجد الشعر النبطي. و الحُميني هي التسمية الشائعة في اليمن لشعر العاميّة وقد يجهل البعض معنى وسبب تسمية هذا الشعر. ولا يزال الإسم محل خلاف وجدل منذ ربع قرن أو يزيد، ولم يُسفر البحث عن شيء أكيد. إلا أن اتى مؤخرًا الباحث اليمني "عبدالجابر نعمان باجل" في كتابه "الشعر الحميني الريادة والأصول" وذكر ان سبب هذه التسمية يرجع نسبةً الى قرية الحمينية في مخاليف الحديدة.

مهما إختلف الباحثون على سبب التسمية، يتفقون على أن الحميني -شعر العاميّة- كان ولادة ثانية في تاريخ القصيدة اليمنية، والوجة الآخر للعملة الشعرية حيث أن الوجه الأول من العملة هو الشعر الفصيح.

ظهر شعراء العامية في اليمن و اعادوا الى الشعر ماكان قد فقده من تلقائية وصدق شعوري وفنّي، وقد تمكنوا من أن يصلوا بشعر العامية الى درجة عالية، بما أظهروه في قصائدهم من صور التعبير التقليديّة و المبتكرة. كان شعر العاميّة - بعكس الفصيح - أقرب للفطرة  وأكثر صدقًا مع النفس، و أكثر إتصالًا بالمشاعر دون اسراف او مبالغة في تصنع البديع او إفتعاله. و استطاع الشعراء من خلال معايشتهم للناس أن يسايروا تطور الحياة، و يؤكدوا أن من مساوئ الشعر الفصيح الإنعزال عن تيّار الحياة.


المعروف أن روّاد الحُميني الأوائل والأكثر تأثيرًا وشهرة ثلاثة :

١- احمد بن محمد فليته

٢- عبدالله بن أبي بكر المزاح

٣- أبو بكر العيدروس

لكن من خلال قرائتي لكتابيّ

"شعر العامية في اليمن" للمقالح

" رحلة في الشعر اليمني" للبردّوني

أحببت أن اُظهر نماذج اخرى من شعراء الحميني و بالنسبة لي كانت قصائدهم الأجمل من ناحية عذوبة اللغة وتوهّج العاطفة.

كان الشاعر محمد عبدالله شرف الدين، أكثر شعراء العاميّة استخدامًا للرموز اللفظيّة في شعره، فهو لا يشير في قصائده الغزليّة إلى الحبيب بشكل مباشر، انما يرمز إليه بالشادن او الغزال او الغزيل، ولعل هذا ما تميّز فيه عن بقية الشعراء حيث أن اشيع الرموز اللفظيّة كانت القمر و البدر.

محمد عبدالله شرف الدين، شاعر الحب ومغنّي الجمال كما يحب ان يسميه الدكتور عبد العزيز المقالح. ولد شرف الدين في مدينة الفن و الجمال ومنبع الشعراء "كوكبان" من اسرة إمامية ارستقراطيّة مالكة. ولأنه وجد نفسه في مجتمع منغمس في الحروب وفي أسرة خاضَ افرادها حروبًا طاحنة و صراعات ضد منافسيهم من الأئمة، احتفظ لنفسه بموقفٍ مخالفٍ عنهم. فكان نديم الهوى و الجمال، رفيقُ الشعرِ والطرب، كان يهرب من الواقع الى الشعر، ومن الشعر الى الحب. وله حكايات كثيرة عن تجاربه في الحب، وتجد ان كل قصيدة من قصائده نابعة عن تجربة ذاتية والقليل منها فقط كتبه على لسان بعض المحبين.

من أبرز قصصه في الحب، حكاية روتها زوجته ونظم على اثرها قصيدة تغنّى فيها العديد من فنانيّ اليمن. روت زوجته انه فتن بفتاة ذات جمال ويريد الزواج منها لكنه لم يتمكّن بسبب صغر سنّها، ولما رأت زوجته حاله وغلبها الظّن اخذت المصحف لتستحلفه، فحلف ونظم بعد ذلك قصيدة " عليك سمّوني و سمسَموني". وله العديد من القصائد الجميلة التى تغنّوا بها فنانيّ اليمن منها "حميّمة-معشوق الجمال- يامن سلب نوم عيني" وغيرها الكثير. وله ديوان غاية في الإنسجام و الرقّة معظمه من الشعر الحميني، كذلك شعره الفصيح كان متين السبك و جيّد العبارة، لكن لم يطبع ديوان شعره الفصيح لأن شهرة اشعاره العامية غطّت واستثارت بإهتمام معاصريه و اهتمام الاجيال التي تلت. وقد اتهمه الكثير بسبب نزعته الصوفيّة، بأن ما قاله في قصائده الغزلية كان على الطريقة الصوفية، لكنه سرعان ما انكر بقوله أن الحب سبب إلهامه.

" سوا سوا يا عباد الله متساوية ما حد ولد حر و الثاني ولد جارية" - غزال المقدشيّة

ولدت غزال في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر للميلاد في قرية اسبيل إحدى قرى المقادشة الواقعة في عنس، شاعرة ريفيّة جهيرة الصوت، اتخذ بعض شعرها طابع الأحكام وخالفت الشعراء في ذلك الوقت في طريقة النظم و الخروج بالشعر من دائرة البيئة إلى القضايا الإجتماعيّة. كانت اكثر نساء هذه المرحلة تأثيرًا وشهرة في مجال القصيدة العامية في اليمن، و ظهرت غزال في عصر لم يكن تعليم المرأة معروفًا، بل كان طوال العصر الوسيط يُعدّ من الكبائر، في حين كان الحديث عن المرأة او معها محرّم. وقد نظم شاعر القصيدة الفكاهيّة علي بن حسن الخفنجي، ابياتًا يوجّه فيها نار سخريته الى الأباء الراغبين في تعليم بناتهم و يقول :

" قالوا قد الغـيد بتقرأ يا عماد مـا قد سِمعنا بـحرمة قارية "

رغم ذلك لم تمنعها ظروف البيئة الخاصة ولا ظروف اليمن عامة، ولا أُميّتها من ان تضع إسمها بجدارة في قائمة المشاهير من شعراء العامية في اليمن.

في الفترة التي نشأت فيها المقدشيّة، نشأت معها في منطقة الحداء، الشاعرة القرويّة ظبية النميريّة، لكن أشعار ظبية اقتصرت على القرى المجاورة لقريتها، على عكس غزال في تلك الفترة كانت اسيَر في المدن، لكونها تتنقل من مدينة لأخرى. اشعار ظبية على قلّتها الا انها تعتبر من صنعة الحُميني القبلي وهو الأقرب الى الرجز. ويعتبر شعرها جيّد على قلّته، وغير هام لقلّة اهتمام الشاعرة. اما غزال فقد كانت أكثر إنتاجًا في الشعر حتى دخلت تاريخ الشعر العامي، و من هنا خُلّد إسم غزال المقدشية و اشعارها، على عكس ظبية المنسيّة والغير معروفة.

هذه نماذج بسيطة، وتعتبر قطرة من بحر الشعر الحُميني. بهذا نستطيع القول أن روّاد القصيدة العامية في اليمن - وهم كثير - استطاعوا ان يحققوا من الشهرة و الشيوع مالم يُحقق للقصيدة الفصحى ذاتها، و أن يجعلوا ايصال القصيدة العاميّة الى القلوب و الاسماع سهلًا و ميسّرا.

مصادر :

شعر العامية في اليمن - عبدالعزيز المقالح

رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه - عبدالله البردوني.

مقال سفينة كولان - جوليان دوفر

كتب هذه المقالة: سارة البردوني